عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
125
الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل
وكيف ولو كان ذلك مما أمكنهم أن يرعوه حق رعايته لكان الحقّ يأمرهم بذلك على لسان نبيه موسى ، فما أعرض موسى عن ذلك جهلا بها ولكن رفقا بهم ، ولما ابتدعوها ولم يراعوها عوقبوا عليها ؛ وفي هذا اللوح علوم جمة مما يتعلق بالأديان والأبدان ، وقد جمعت جميع ما تضمنته التوراة في هذه الورقات على حسب ما كشف اللّه لنا عن ذلك وتصدنا الاختصار فيه فإنا لو أخذنا في إبدائه كما هو عليه لاحتجنا إلى تطويل كثير ولا فائدة في ذلك ، فهذا جميع ما تضمنته التوراة على الإجمال فافهم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب السابع والثلاثون : في الزبور الزبور لفظة سريانية هي بمعنى الكتاب ، واستعملها العرب حتى أنزل اللّه عزّ وجلّ : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ « 1 » أي : في الكتب ، وأنزل الزبور على داود آيات مفصلات ، ولكنه لم يخرجه لقومه إلا جملة واحدة بعد أن أكمل اللّه تعالى نزوله عليه ، وكان داود عليه السلام ألطف الناس محاورة وأحسنهم شمائل ، وكان إذا تلا الزبور وقفت الحيوانات حوله من الوحوش والطيور ، وكان نحيف البدن قصير القامة ذا قوّة شديدة كثير الاطلاع على العلوم المستعملة في زمانه . واعلم أن كل كتاب أنزل على نبيّ ما جعل فيه من العلوم إلا حدّ ما يعلمه ذلك النبي حكمة إلهية لئلا يجهل النبيّ ما أتى به ، فالكتب يتميز بعضها على بعض في الأفضلية بقدر تميز المرسل بها على غيره عند اللّه تعالى ، ولهذا كان القرآن أفضل كتب اللّه تعالى المنزلة على أنبيائه ، لأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم كان أفضل المرسلين . فإن قلت : كلام اللّه لا أفضلية لبعضه على بعض ، قلنا قد ورد في الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « سورة الفاتحة أفضل آي القرآن » « 2 » فإذا صحت الأفضلية في القرآن بعضه على بعض فلا امتناع في بقية الكتب من الجملة . واعلم أن الزبور أكثره مواعظ وباقيه ثناء على اللّه بما هو له فيه ، وما فيه من الشرائع إلا آيات مخصوصة ، ولكن تحتوي تلك المواعظ وذلك الثناء على علوم جمة إلهية حقيقية ، وعلوم الوجود المطلق ، وعلم تجلي الحق تعالى في الخلق وعلم التسخير والتدبير ، وعلم مقتضيات حقائق الموجودات ، وعلم القوابل والاستعدادات ،
--> ( 1 ) آية ( 52 ) سورة القمر . ( 2 ) كنز العمال ( 3547 ) .